عن مصر التي نحب

كل يوم يذهبون بسيارتهم ذات المقعدين رغم أنها كانت أربعة!

يتزاحمون حتى يكتفي جسد السيارة منهم، ثم يسيرون، كان مكان صاحبنا في المنتصف وفي مقابل “القير”، و يا لَحظِّهِ السيِّء:

فهذا النوع من السيارات لا يمتلك محركًا آليًّا “أتوماتيكياً”، فقد كانت تتحرك بتغيّيرٍ مستمرٍ للترس الذي يعاني من خللٍ أيضًا يتمثَّلُ في عدم الثبات؛ فيُضطَرُّ صاحبنا لأنْ يُمْسِكه -ليثبِّته- طوال الرحلة التي تمتدُّ لساعة تقريبًا كل صباح.

ولا يكاد يصل الى المدرسة حتى يشعُرَ أنّ عضلات كتِفيْهِ يابستان من الشد اليومي!

*

في هذه المدرسة التقى صاحبنا لأول مرة بـ “أحمد” (ابن معلم اللغة الإنجليزية في المدرسة)، صدمهم هذا الشاب حين التحق معهم في أول يومٍ دراسي وهو يرتدي البنطال “الجينز”!

النَّظراتُ و الهمسات و اللَّمزات كانت تحُفُّ أحمدَ طوال اليوم.

“كيف واحد يلبس جينز قدَّام الرياجيل” هذه الأحرف نطقها عندما سأله صديقُه من الفصل الآخر عن زميلهم الجديد.

كان أحمد منافسَه الوحيدَ على صدارة الترتيب في فصلهما المدرسي، وهذا الأمر سبَّبَ بينهما أُلفةً غير معتادة لهذا النوع من التنافس.

*

في تلك المدرسة كان الخروج مسموحًا به في وقت الاستراحة لمحلات القرية من أجل الإفطار أو الغداء؛ وذلك لعدم قُدرة المدرسة على تأمين الوجبات للطلاب.

وفي كل يوم هنالك ميقاتٌ محدَّدٌ وساعةٌ لا تتغير: تبدأ حين تسكن جدران الفصول من كل صوت وتفيض بوابة المدرسة بالطلاب الخارجين بحثًا عن لقيمات عيْش تتصبَّرُ بها أمعاؤهم، يبقى أحمد و أخوه الصغير محمد و – صاحبنا – ليأكلا هما.. ويحادثهما هو!

  • حدِّثني عن مصر يا أحمد.
  • حاب تعرف إيه عن مصر؟
  • كل شيء، أذكر في مدرستي الابتدائية كان الأستاذ “جمال” يطير بنا الى مصر في كل يوم من خلال أحاديثه الجميلة المملوءة بالشوق والحب لمصر وأهلِه هناك..

يبدأ أحمد بسرد بالحديث عن مصر وعن تلك الصور الجمالِيَّة لأمِّ الدُّنيا حتى بدأ قلب صاحبنا بالتعلق هناك شيئًا فشيئًا.

الشيء الذي لم يكن يعلمْه في ذلك الحين أنه سيتعلق بها أكثر في قادِم الأيام حين يقرأ لأعلامها و يتجول في صوالين أدبائها، و ينهل من حروف روَّادها ومثقَّفيها.

  • يااااه يا مصر: بهذه الكلمة المعبرة النابعة من أقصى زوايا القلب.. توقف أحمد عن الحديث عن مصر!

بعد أن أُعجزَ (كما يبدو) عن نقل كل شيء هناك إلى ذهن صاحبه.

  • –         “انت ما بتفطرش بالمدرسة ليه؟ “
  • ” أنا أفطر الصباح بالبيت”

وبهذه المحادثة القصيرة خرج صاحبنا من حَرَجِ افتقاره إلى المصروف المدرسي رغم صوت معدته التي تفضَح ادعاءاته!

**

بعد أكثر من 20 عامًا من محادثتي مع أحمد حوْل مصر.. ها أنا أحطُّ رحالي في مصر التي أوقدتْ حب القراءة والمطالعة في قلبي حين قرأت كتب المنفلوطي والعقاد ومي زيادة وأحمد أمين وطه حسين وغيرهم من أعلام الثقافة والأدب في مصر، ها أنا أحطُّ قدميَّ في أرض القاهرة محمّلاً بالحنين والذكريات والحكايا ووجوه الأشخاص وصوت الأغاني وشكل الحياة في مصر.

للحواري، ولصوت المنشاوي الذي ينبعث كل صباح في أروقة الأحياء المصرية ممزوجًا بتصبيحاتهم المتدفقة المزْدانة بأكواب الشاي التي لا تهدأ.

لم تخذلْني مصر. فمِن أول وهلة لم أشعر بالغُربة مطلقًا.. إذ شعرت بأني أعرف كل شيء هنا: من أشكال السيارات، إلى أشكال الطرق والبنايات، إلى ردود الأفعال ونِكات الناس في الشارع، إلى أسماء المحالِّ التجارية، والحواري والأحياء الشعبية، والأحياءالراقية.. رغم أنها المرة الأولى التي أزور مصر في الواقع!

زاد ذلك كلُّه حلاوةً روحُ المصريين الجميلة، وحفاوتهم الكبيرة بالضيوف، وصِدق نواياهم التي لمستها.

في مصر أزعم أنه لا يوجد عربيٌ يشعر بالغربة: فكل العرب نشؤوا على صوت تلاوات المنشاوي ومواعظ الشعراوي وأشجان عبدالحليم وأم كلثوم، وكلُّ العرب كبروا على نِكات مدرسة المشاغبين وأفلام الحِقبة الذهبية هناك.

كل العرب كانوا يقرؤون الصحفَ المصرية بنَهَمٍ ويستمعون إذاعات الراديو التي كان أشهرها يُبَثُّ من القاهرة، حتى إن الحياة الثقافية العربية والأدبية كانت مصريةً بامتياز.. فكان الكل يسعى لأن ينال شرف القراءة أو الجلوس – حينها- مع أدباء ومثقفي مصر، أضف إلى ذلك البعثات الدراسية المكثفة التي كانت مصر مقصدها الأبرز بلا منازع.

وقد كان لمصر دورٌ بارز في تعليم الوطن العربي من خلال معلِّميها الذين انتشروا في كل بقاع الأوطان يعلِّمون أطفالها النَّقش على الحجر، بل أظن أن دوْر مصر تجاوز ذلك في كثيرٍ من الأحيان الى ما هو أبعد وأعمق.

أزعم أن كل العرب قد تجولوا وجدانيًّا في القاهرة والأسكندرية وشرم الشيخ، وكلهم قد حفظوا الاهرامات والأماكن الأثرية والمكتبات والمتاحف وشكل النيل والسفن التي تجوبه ليلَ نهار عن ظهر قلب.. فلا ضير إن قاموا بزيارة مصر أن يغدو كل شيءٍ حولهم مألوفًا، وأن لا يشعروا بالغُربة في تجوالهم بين جَنبات أرض مصر.

*

كيف لعربيِّ ألَّا يُحبَّ مصر وهي التي أسَرَتْ قلوبَ الرحالة و المستشرقين الغربيين، حتى إن بعض الأدباء و الشعراء والكتاب من غير العرب كان في الماضي يأتي لمصر ليكتب فقط! يذهب لهذه البقعة الغنّاء من هذا الكوكب لينعم بشيءٍ من البياض الروحي، ورغم أن كثيرًا منهم لديهم مشاريعهم الكتابية المتنوعة لكن معظمهم كان يستسلم مبكرًا لسِحْرِ أرض مصر، فتجده يبدأ بالكتابة عن مصر قبل أن يشرع في تناول المواضيع التي رغب بالعزلة لأجل الكتابة عنها.

2 Comments اضافة لك

  1. كيف لعربي ألاّ يُحب مصر؟
    يكفيّنا أن المكتبات أكتضت مما أنتجته مصر لنا في القرن التاسع عشر والعشرون.
    أُدباء لم ينس التاريخ صنيعهم.
    وإشراقة الصباح ارتبطت بصوت المنشاوي، وأما الشعرواي تشعر وكأنما يُّسر لك ما يقول من بين خطبه.
    نتاج مِصر ثروة 💕!

    Liked by 1 person

  2. ابوفيصل كتب:

    اشكرك كأنك تقول الذي في نفسي مع العلم اني ذهبت لمصر قبل 30 سنه لحظور معرض الكتاب ولم يكن معي مصروف اكثر من 500 ريال وسكنت في نزل بسيون يعني فندق درجه _1

    Liked by 1 person

اترك رداً على مريم الحربي إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s