مقدمات الكهولة المبكرة .. الهدوء والعزلة !

  • أنت مواليد أي برج ؟

هكذا وبكل لطف تسأل صاحبة المنزل بعد عجزها عن فهم تصرفات هذه الشخصية الغامضة, لم يكن هو السؤال الوحيد الذي نثرته بين يده, فعندما دخل غرفته لأول مره وبدء في ترتيب أغراضه ألقت عليه نظرةً خاطفةً ختمتها قائلةً “هذه المرة الأولى التي أشاهد فيها أحداً يحمل كتباً أكثر من ملابسه !”

سؤالها المتهكم صنع بداخله مزيجاً مابين الإبتسامة الساخرة واللامبالاة .. فكتبه هي ملابسه !

يستر بها عوار جهله وقلّة معرفته, ويملأ بها فراغ قلبه وعقله ووقته, وهي التي يتجمل بها حين يودّ التنزه خارج عالمه للمتعة أو لأي شيءٍ آخر ..

لا مبرر لسؤال هذه السيدة فلا فرق يبدو له بين الكتب والملابس .. ومالضيّر إن لم يكن لديه  إلا القليل من الملابس والكثير من الكتب ؟

مؤخراً لم تعد لديه الرغبة لإقناع أحداً بأي شيء !

مع تراكم الكتب على صدره لم يعد صاحبكم يميل للنقاش والجدال أو الأحاديث الطويل .. لم يعد يشعر أنه بحاجة لشرح وجهة نظره لهذه السيدة أو غيرها حيال كتبه وتواضع ملابسه وصمته الذي يغلب عليه .. وحتى حيال تفضيله للهدوء والعزلة !

أن تخالط الكثير من البشر عبر الكتب .. فهذا يعني أنك تشكلت أو ربما نضجت .. بل الأصح من ذلك كله أنك كبرت .. كبرت أكثر مما كنت تظن

تحت تأثير الكتب والقراءة وأرواح من يسكن تلك الصفحات ستصاب بالكهولة المبكرة وتبدأ بالميل الى العزلة أكثر من ذي قبل.. العزلة بلونها الرمادي والتي تعني نصف عزلةٍ ونصف إندماج !

ليس إنقطاعاً تاماً وليس البقاء بكل مسبباته

هي “العزلة الرمادية” اذن

التي تبقي الأصدقاء لديك لكنك لا تقضي يومك في إنتظار إتصال حبيبٍ أو صديق .. ذلك النوع من العزلة الذي يبقيك في ذاكرتهم وقلوبهم لكنك لا تنتظر سواك !

هي الكهولة المبكرة ربما !

كهولةً ظهرت على شكل هدوءٍ إمتزج بتفضيل الخلوة , خُلوةً أوقعت صاحبكم في حب بحيرة بلد وبورمونث وتورينتو وقبل ذلك وبعده مدينة الخُبر .. لأن تلك المدن أشبه بالتاة الحالمة التي لاهم لها الا شكل رقصتها على رمال البحر, وشكل فستانها الأبيض وأقدامها الحافية بعد أن أسرف الرمال في تقبيل تلك الأقدام الحريرية .. الخبر دائماً ما تتورد وجنتيها من ذلك التقبيل المستمر .. فتزدادُ سكوناً فوق السكون .. وبالطبع جمالاً فوق الجمال.

تلك المدن التي تسلبك من فوضى هذا العالم .. كانت تهمس لقلب صاحبكم بكل رفق وود بأن الخلوة في كثير من الأحيان هي الخيار الأمثل .. وأفضل من قسوة المخالطة المتصنعة ..

الخلوة التي تجعلك تقضي معظم يومك في حديقة منزل السيدة “ميري” أو مقهي “تيم هورتنز” المجاور لك في تورينتو !

جلستي اليومية في حديقة منزل السيدة ميري في تورنتو

الخولة – صديقة الكهولة – التي تجعلك تتأمل الفاتنات من نافذة المقهى .. لكنك تكتفي بنظرات الإعجاب المتبادلة والإبتسامات الخجولة التي تنتهي بضحكةٍ تواريها تغطية الشفتين بالكف .. و لا تفضل الإقتراب أكثر من ذلك !

عزلةً رمادية ترشدك الى مطعم “الحلبي” في بورمونث لتحافظ على وجبة الإفطار هناك بشكل منتظم وأخذ كوباً من الشاي قبل الشروع في وجبة القراءة اليومية ..

عزلةً مذبذبة توثق علاقتك بأكواب المقاهي الورقية وملاعق البلاستيك وتسيء لعلاقتك مع بقية أواني المطبخ

عزلةً تميل فيها الى المراسلات النصية عوضاً عن الحديث عبر الهاتف أملاً في بقاء الصمت والهدوء سمةً عامة ليومك

عزلةً – أو خلوةً سمّها ما شئت – ستكشف لك حجم الطفل الذي بداخلك مع كل نشوةٍ تتلبسك حين تتذكر أنك بعد قليل ستقوم لعمل قهوتك وإكمال ما تبقي من قراءة كتابك ..

انها عزلة الذي يقرأ ولا يكترث لأي شيء آخر !

الإعلانات

One Comment اضافة لك

  1. May كتب:

    أعجبني جداً المقال .. هنيئاً لك ذاك المزاج الذي ربما فقدتُ بريقه، وأصبحت عاجزة عن الشعور به بعد أن كان هو متنفسي الوحيد ،، شعرت بشغف القراءة والعزلة من جديد ،، لأهرب من ضجيج الحياة شكراً من القلب ♥️

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s