بلدي .. تسادا .. ورسول

يقول رسول حمزاتوف “إن الإنسان في حاجة إلى عامين ليتعلم الكلام،و إلى ستين عاماً ليتعلم الصمت.” 

وبما أني لازلت في مرحلة لم أصل بعد الى التمكّن من الصمت, فإني سأتحدث وأحادثكم حيال غرقي في بحرٍ لم أستطع أن أجد فيه شاطئ أو مرسى .. إنه بحر رسول !

هذا البحرالذي لا أعلم حتى الآن كيف النجاة منه!

هل بالإمكان أن يمحي المرء ذاكرته ؟ أن يستبدل بعض الكلمات والصور كي يتجاوز اللحظة ويمضي ؟

كيف امحي ذاكرتي التي غرقت في تفاصيل كتاب “بلدي”!؟

هذا الكتاب الذي اصبح أشبه جواز السفر لي, بل كقدّاسي الذي اقرأه في كل وقتٍ وكلّ حين !

يقول رسول “شيئان في هذه الحياة يستحقان الصراع, وطن حنون وامرأة رائعة !”

وأزيد عليهما بأن ثمة شيءُ ثالث يستحق الصراع من أجله .. هو كتاب يقرؤك, كتابٌ تتلذذ بأحرفه ولا أظن إلا أن كتاب ” بلدي” هو من هذا النوع من الكتب

والذي أعتبره وطنٌ لكل قارئٍ تائه وحائر في عالم الكتب والقراءة, هذا الكتاب –الوطن- الذي يحتوي قلوبنا وأفئدتنا من الشرود, وهو الوطن الذي يتلمس جروحنا ومشاعرنا ليحتضن ما ذبل منها.

هو الوطن الذي يلمنّا من العبثية, من الكلمات الجافة ومن الحقائق المجردة .. إذ سئم القرّاء- فيما أزعم- من تلك الأحرف التي لا تلين ومن تلك الكلمات الثقيلة العصية على الحفظ والفهم أحياناً .. فضلاً على أن تكون لذيذة ممتعة تحاكي ما بداخل الإنسان.

أزعم أن هذا الكتاب هو وطنٌ لكل قارئ, وهو جنةُ الذي يقرأ للمتعة وللشعر وللأدب وللتاريخ وللحضارات, هذا الكتاب لا يؤلفه أحد عادي, ولا يستطيع تأليف مثله إلا شخصٌ ضليع في اللغة والأدب والشعر وتجارب الحياة.

إذ إن القارئ لن يجد مصفوفات شعرية أو نثريه غارقه في المشاعر وخالية من المعاني أو العكس, ولن يجد فيها معلومات تاريخية وحضارية مجردة .. خالية من التأثر والتأثير.

ولن يجد في الكتاب ردوداً وحقائق عليمة عصيةٌ على التشكيك .. بل في هذا الكتاب مزيجٌ نادر  من كل شيء, شيءٌ من كل شيء

من المتعة السردية والمعرفية والقناعات الفكرية والردود الأدبية ووجهات النظر التاريخية المطعّمة بالتجربة الحياتية الثرية لشخص عايش شاهد العديد من ألوان الحياة.

عايش عالم يأتيك فيه الضيف على حين غفلة ولا يمكن أن تفعل شيئاً آخر سوا الفرح بقدومه, وعايش عالماً مخملياً لا يمكنك القدوم اليه إلا وأنت في كامل أناقتك وتأهبك.

عايش البساطة بكل تفاصيلها, عايش الجوع والعطش والبرد الشديد .. لاحق أغنامه في المراعي ليطعهما ولاحق مواعيد الطائرات ليطوف العالم.

وكان هنالك شيءٌ يجمع كل ذلك .. أن رسول ابن القرية .. لم يلعن المراعي يوماً رغم قسوتها ولم تفتنه المطارات والفنادق رغم فخامتها .. رسول ابن القرية الفقير هو بذات الروح والنقاء حينما أصبح تائهاً في عوالم المدن ويتقاذف عليه المال الإعلام من كل جانب

وهنالك شيءٌ آخر أيضاً .. أنه وفي كل هذه التقلبات والمتغيرات كان ينحت لنا رسول على جدار الحياة من الحكم التي نادراً أن تجد لها مثل.

يقول رسول : “لا تخبئ أفكارك. إذا خبأتها فستنسى فيما بعد أين وضعتها.” 

لذا لن أخبئ كل فكرة تخمرت في رأسي حيال – أو بسبب – هذه التحفة الأدبية النادرة, والتي جعلتني أردد – وبإستمرار  – أنه لو كانت لي أمنية في التأليف .. لتمنيت أني أنا من كتب كلّ حرفٍ في هذا الكتاب، تمنيت ان هذا الكتاب لي انا وحدي، لا اسم غير اسمي فوق الغلاف !

لماذا ؟

ربما لانه التصق بقلبي اكثر مما تخيلت، ربما لاني ابن الصحراء والقرية ووجدت في هذا الكتاب قرباً مني بعد ان  مكثت طويلاً مع رسول بين الجبال والقرية وتنقلت معه في أسفاره وسمعت قصصه وقرأت حكمه وتصفحت مذكراته.

هذا الكتاب ملئني بالدهشة, فقد مزج لي شيئاً بحثت عنه طويلاً ولم اجده .. كنت أتوق لتذوق الأدب الممزوج بالشعر والقصص والتجارب الشخصية – الانسانية – المثخنة بالحِكم .. لك ان تتخيل ان كل تلك الألوان في داخل كتابٍ واحد !

يا اله الجمال !

دائماً ما اتسائل، لو قدّر لي وان ألفت كتاب، كيف سأخرج من هذه العقدة – عقدة رسول حمزاتوف وكتابه بلدي – وكيف لي ان لا استرق النظر اليه وانا اكتب حتى هذه الأحرف ! ؟

يقول رسول : “الشعب بدون كتاب كإنسان يسير مغمض العينين لا يرى العالم.الشعب بدون كتاب كإنسان بدون مرآة لا يستطيع أن يرى وجهه” 

نحن الآن لا نرى وجه رسول فقط .. بل داغستان بوضوح بعد هذا الكتاب, شخصياً أصبحت أشعر أني بالقرب من تلك الأرض وذلك الشعب منذ القدم, حتى إني أشعر بأني إبنٌ لتلك القرية الرابضة فوق جبال داغستان.

نعم فالكتاب هو المرآه .. لكن ليس كل كتاب .. فالكتاب الجيد يكون كذلك , أما الكثير من الكتب التي لا تساوي قيمة الورق الذي كتبت به فإنها ليست مرآه يا رسول .. بل هي صورة مشوّهة عن أولئك الذين ليس لهم ذنبٌ بخروج تلك الكتب وحديثها عنهم.

وكم أشفق على نفسي وعلى أقراني ممن تولعوا بالكتب والقراءة ولا نمتلك القدرة الكافية على التأليف حتى أصبحنا نتلصص أفكار الآخرين ونقتبس منهم ونلوي أعناقها كي نؤلف وندشن إسمنا في سماء المؤلفين .. لكن أنّا لنا مثل هذا الخلود الذي حاكه القدر لك يارسول .. فليس كل كتاب يُكتب هو جديرٌ بالبقاء.

وليس كل فكرة طوعناها قادرةٌ على النمو خارج ثوب صاحبها الذي ابتكرها وكما يقول رسول أيضاً : “لقد اشترى قبعة كقبعة لييف تولستوي فأين له أن يشتري رأساً كرأسه؟” 

فكيف نحن الشباب الذي بدأنا للتو في رحلة القراءة والكتب – وربما الكتابة – أن نحصل على رأس كرأس تولستوي !

أو كتابٍ ككتاب بلدي ؟ أو مدادٍ كالذي يقف على جاله رسول ؟

 يا للغربة التي نعيشها ونحن نشاهد هذا الجمال وليس لنا إلا تأمله .

لكن الذي يواسنا ويربت على قلوبنا أن قادرون على التأمل ولازلنا نمتلك الدهشة .. وهذا نعيمٌ أيضاً .. إذ بإمكاننا تأمل هذا الجمال والإستمتاع في تذوق هذه الأحرف بإستمرار, ويا لغربة أولئك الكثيرون جداً الذي لم يتمكنوا من تذوق هذا الشهد في صفحات بلدي .. وأولئك التعساء الذين إما أنهم لم يحبوا الكتب يوماً أو إنهم غرقوا في كتبهم التخصصية المملة أو ربما لم تقودهم لحظة هانئة الى عالمٍ كعالم رسول وكتابه بلدي.

الى داغستان التي كانت يوماً ما جزءً منّا .. شكراً لأنك ألهمتي رسول

الى تسادا والتي أصبحت جزءً مني .. شكراً لانك كنتي جزءً من قلب رسول

والى رسول .. اليك رسول حمزتوف هل تظن أني ساخاطبك بكلماتي وبأحرفي ؟ بل سأختم كلماتي هذه مخاطبك بكلماتك فهي التي تليق بك.

“إن الإنسان في حاجة إلى عامين ليتعلم الكلام, و إلى ستين عاماً ليتعلم الصمت. و لست ابن عامين ولا ابن ستين عاماً. أنا في نصف الطريق. و مع ذلك فيخيل إلي أني أقرب إلى الستين لأن الكلمات التي لم أقلها أغلى على قلبي من كل الكلمات التي قلتها”

One Comment اضافة لك

  1. محمد الشاهين كتب:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    اين اجد الكتاب
    وهل ممكن اجده ع النت

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s