قصتي مع “انا افكر .. اذا أنا موجود”

أذكر في بداياتي حينما كنتُ وَلِعًا بالمطالعة والقراءة -وهي قريبة العهد بالمناسبة- كنتُ أقع على بعض العبارات الأخَّاذة التي تُذهلني وتسلب لُبِّي، وكنتُ لا أتردَّد في نشرها والحديث عنها ومشاركتها مع الآخرين؛ بفهمٍ قاصرٍ غالبًا، وفهمٍ واعٍ أحيانًا، وربما مضحكٍ أحيانًا أخرى!

وكلما زِدْتُ في قراءاتي واطلاعي، زاد حماسي لبعض الجُمل أو حتى الآراء والأفكار والشخصيات التي تترك في نفسي أثرًا عميقًا.

كل تلك المسببات مجتمعةً كانت تدفعني لتبنِّي وربما نشر كثيرٍ من هذه الآراء والأفكار وإيصالها للآخرين كي يقرأوها؛ لعلَّها تكون بادرة تغيير لأفكارهم المترسخة في أذهانهم؛

أيّ تغيير؟ في الحقيقة لم أكن أعلم ذلك بوضوح،ولا زلتُ لا أدري ماذا أريد من الآخرين!

هل الأمر مضحك؟ أعتقد ذلك، فقد يرغب بعض الشباب في التغيير لمجرد التغيير، وليس للانتقال من الجهل إلى العلم مثلاً، أو من التشدُّد إلى التوازن وقبول الاختلاف ..

ربما كان ذلك مجرد محاولة لإظهار المعارف التي أكتسبها، وربما كان بحثًا حثيثًا عن عبارة “أصبحتُ مثقفًا”!

من العبارات التي أثارت في ذهني اهتمامًا كبيرًا على سبيل المثال؛ عبارة الفيلسوف الوجودي الشهير ديكارت: “أنا أفكر؛ إذًا أنا موجود”.

كانت هذه العبارة في الأغلب يتم التدليل بها على استقلالية التفكير عند الأشخاص واختلاف آرائهم تبعًا لتفكيرهم، وضرورة قبول هذا الاختلاف نظرًا لاستواء الجميع في حق التفكير، فقد تكون آراؤنا أصحّ من آراء الآخرين في بعض الأحيان ..

وغالبًا ما كنا نعني بالآخرين: المتديِّنين على وجه الخصوص؛ لمحاولة التخلص من تفسيراتهم لكل شيء تقريبًا، سواءً فيما يخص العلوم الشرعية أو القضايا الفكرية أو حتى أحداث التاريخ!

****

يُعتبر علم المعرفة أو نظرية المعرفة “أوالإبستمولوچيا Epistemology” أحد المجالات الأساسية في الفلسفة ..

ويُناقش طبيعة المعرفة ومصادرها، وإمكانية إدراك الإنسان للحقائق، ومدى وثوقه من إدراكاته ..

ويُعنى كذلك ببحث حدود الإدارك البشري للعلوم، وحقيقة هذا الإدراك ..

وربما تكون هذه الأسئلة هي أهم الأسئلة التي يحتدم حولها الجدل والنقاشات والصراعات الفكرية في الفلسفة ككل؛ وبالتالي يمكننا القول بأن نظرية المعرفة وتساؤلاتها ونقاشاتها ومباحثها تمثِّل الشريحة الأكبر من علم وتاريخ الفلسفة.

لذلك فإنني قد بِتُّ مقتنعًا بشكلٍ كبيرٍ بصوابية الرأي الذي يقول إنَّ هذا العلم هو أحد العلوم الأساسية التي يجب على كل باحث أو مهتم بالعلوم الفكرية والدينية والتاريخية أن يكون لديه اطلاعٌ جيِّدٌ عليه، بعد أن يُؤسِّس نفسه بشكلٍ عميقٍ في علوم اللغة العربية والتاريخ والعلوم الدينية؛ فإن لكل مفكِّرٍأو باحثٍ أو جماعةٍ أو تيارٍ أو ديانةٍ تحيُّزات معرفية بسبب خلفيتها المعرفية وأساسها الفكري والتاريخي التي بُنيت عليها؛ وكي يصل طالب العلم أو الباحث أو المهتم بالعلوم إلى قدر معين من الاتزان والأُفُق الرَّحب، فإن في بحر هذا العلم ما يستحق تعلُّم السباحة لأجله.

                                                                                        ****                                                                                       

ومن المعروف عن ديكارت أنه من أصحاب مدرسة الشك المنهجي، وهي إحدى المدارس الفلسفية في نظرية المعرفة ..

وهذا الشك هو شكٌّ يمارسه الإنسان في الغالب منأجل الوصول إلى المعرفة اليقينية؛ حيث يُشكِّك الإنسان في كل شيء تقريبًا، ويبدأ رحلة البرهنة على هذه الشكوك ليُثبت نظرية أو فكرة معينة .. فما يمكن إثباته بشكل يقيني يُعتبر معرفةً يقينيةً، وما يتعذَّر إثباته فليس بحقيقة، وبالتالي فإن باب الشك هنا مفتوحٌ على جميع القضايا المعرفية، وما لا يمكن التدليل عليه  بدليل يقيني ملموس وواضح-بالنسة لديكارت ومدرسته- فلا يُعتبر أمرًا مثبتًا وحقيقيًا !

ويسري هذا الأمر على وجود الشخص نفسه، فمعنى عبارة ديكارت وكأنه يقول أشك أنني موجود الآن .. لكن ولأنني أفكر؛ فأنا موجود .. عدا ذلك؛ فإني لستُ متأكدًا من وجود أي شخص آخر مهما رأيتُه أو تحسَّستُه أو سمعتُه، وكل ما تنقله حواسّي ليس دليلاً على الوجود”!

وبالتالي فقد انتقل من مرحلة الشك في وجوده وكينونته كشخص إلى اليقين بوجوده عبر وجود دلالة تفكيره ..

وهذا لا يعني أنه من خلال هذه العبارة قد أقرَّ بوجوده الكامل كإنسان، بل هو يعني وجود “الأنا المفكرة” فقط لا غير!

ومن هذا المنطلق وبما أن الباب مفتوح للشك في كل شيء -حتى في وجود الشخص نفسه-؛ فمن باب أولى يكون الشك فيما لا يمكن الوصول إليه من خلال فرضيات يقينية محسوسة أو عقلية، مثل الوحي والآخرة والملائكة وغيرها من الأمورالغيبية أو ما تسمى بـ “ما وراء الطبيعة أو الميتافيزيقيا”، والتي تُعتبرأعمدةً أساسيةً في المعتقدات الدينية الإسلامية!

ثم وبعد كل هذه التركيبات المعرفية والتعقيدات الفكرية والفلسفية الهائلة القديمة من قبل سقراط إلى عصرنا هذا؛ يأتي صاحبنا دون أدنى خلفية علمية أو قدرة تحليلية حيال كل ذلك ليكتب في حالته على الواتساب: “أنا أفكر.. إذًا أنا موجود”!

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s