هذا لا يحدث كثيرًا !

هل حدث وأن عشت بداخل أحد الكتب بكاملك حتى بات يُشكِّل أحداثيومك؟

“ليلة لشبونة” فعلت ذلك معي!

ذُبتُ فيها أكثر مما ينبغي، تأملتُ، ضحكتُ، حزنتُ، بكيت

ُ، هربتُ .. وشارفتُ على الهلاك أحيانًا!

نتيجة بحث الصور عن ليلة لشبونة


تعرَّفتُ على معاناة الإنسان من أخيه الإنسان، ووقفتُ علىالغُربة بلونها الشاحب وطعمها المُر وتفاصيلها القاتمة، وغرقتُ في صفحات هذهالرواية حتى ظننتُ أنه لم يعد بمقدوري أن أنجو، وأنني سأصبح فصلاً جديدًا منفصولها أو شخصيةً عابرةً تموت في البدايات ولا يتذكرها أحد في المنتصف!

تحكي هذه الرواية قصة شخص هرب من الحكم النازي بألمانيا وفارقأسرته وحبيبته وتنقَّل بين عدد من المعتقلات والسجون، وذاق مرارة الغُربة وألمالفراق وقسوة التشريد.

وفي الميناء يلتقي هذا الهارب برجلٍ آخرٍ تجرَّع الآلام نفسهاوشرب من الكأس ذاتها، فيقوم بسرد قصته عليه وبثِّ معاناته وآلامه إليه، ويتبادلانالنَّجوى سويًا ليُشكِّلا معًا بانوراما إنسانية فريدة تُصوِّر الشقاء والمعاناةالإنسانية في أجلى صورها.

صورة ذات صلة


وسيلاحظ القارئ أنَّ بطلي الرواية هربا من ظروف مشابهة حالمَيْن بالوصول إلى أرض واحدة، فجمعتهما الصُّدفة في الميناء، الذي كان الوسيلة الوحيدةلنقلهم وتحقيق حلمهم بالأمان بعيدًا عن ألمانيا.

والمفارقة الغريبة هي أن حلم الأول لا يتحقق إلا بضياع حلم الآخر، ولكن الأكثر غرابةً هو أن الثاني لم يطلب ثمنًا في مقابل ضياع حلمه سوى أمرواحد في تلك الليلة .. أن يستمع الأول إلى قصته كاملةً ويتحمَّل عبء الذكرىوصداها، أن يُفرغ ذاكرته الحزينة في عقل صاحبه، أن يُودع كل التفاصيل والملامحوالمآسي والآلام والضحكات والدهشات والخيبات التي عاشها طيلة الفترة الماضية فيذاكرة هذا الشخص الغريب الذي التقاه صُدفةً عند الميناء .. فقط هذا كل ما طلبه منهفي تلك الليلة .. فكانت تلك الليلة .. ليلة لشبونة!

وكما قيل “ليلة لشبونة هي ليلة و تمر لكن مع نهايتها يتغيركل شيء  فينا تحررنا من سجن أعمق من كل السجون ألا و هو سجن الذكرياتفالانسان قد يقاوم الجدران يقاوم التعذيب و التهجير و الاقصاء لكنه مهما حاول فلنيستطيع الهروب من ذكرياته التي تحاصره بكل ماضيه و ما فيه من ألم فيعيش بها مجبراغير مخير”

كنتُ أقرأ الرواية في المقهى، وفجأةً وصلتْ أمام طاولتي سيارة،نزل منها سائقٌ بدينٌ أخذ يتأمل الطابق الثاني من المقهى وكأنه بانتظار أحدهم ..

ولم تمر دقائق معدودة حتى نزل بعض الأشخاص -المغتربين على مايبدو- مرتدين ملابس جديدة وحاملين معهم حقائبهم الكبيرة .. وضعوا الحقائب فيالسيارة وبدأوا بتفقُّد حاجياتهم .. التذاكر، والنقود ، والجوازات، وهداياهمالبسيطة .. ثم توادعوا بالأحضان وركب السيارة ثلاثة من الشُّبان ورجع البقيةللأعلى.

حسنًا، حتى الشارع يأبى أن يصمت، يرفض السكوت، يودُّ الحديث معيحول الرواية وأبطالها .. حول هيلين والغُربة .. حول سفرها وزوجها وتنقُّلهم الدائموترحالهم الذي لم يتوقف بعد أن أحكم هتلر والنازيون قبضتهم على ألمانيا وهجَّرواوقتلوا الكثير من البشر ..

من خلال فصول الرواية المتماسكة تمكنتُ من العيش مع المهجَّرينوالنازحين في تلك الفترة القاسية بتفاصيلها وآلامها وأحزانها، وتوقفتُ متأملاًأشياء كانت تمرُّ عليَّ من قبل مرور الكرام!

أدركتُ كيف يبدو المكان الواحد مختلفًا حين تزوره سائحًا أوتمرُّ به لاجئًا .. فكيف حين تكون لاجئًا ومطاردًا في الوقت ذاته!

ويا للأسى حين تكون لاجئًا ومطاردًا ومريضًا كما هو حال أبطالالرواية!

عدتُ لإكمال القراءة في تلك الليلة بعد انقطاعةٍ تأمُّليةٍبسيطةٍ في أصحاب تلك السيارة ..

كنتُ أتنفس بشدة، وأحيانًا أتصببُ عرقًا وكأني أهرول كي أصلللبحر مع هيلين وزوجها الذي عاد لأخذها من أحضان النازية، أهرول معهم نحو السفينةالتي ستحملهم بعيدًا عن الآلام والمآسي ..

كنتُ أخشى أن أنقطع عن القراءة فأعود ولا أجد لأبطال الروايةأثرًا، كنتُ أخشى عليهم من الظروف، من المرض، من السفر دون حضوري لو أنني اكتفيتُبحظِّي من القراءة في تلك الليلة وقررتُ أن أغلق الكتاب!

فجأةً تسلَّل إلى سمعي من بعيد نداءٌ متكسرٌ أربك حالة التأمُّلالتي كنتُ غارقًا فيها: “لو سمحت؛ سنقفل المحل”!

التفتُّ حولي فإذا به عامل المقهى يستحثُّني على الانصراف لأنالوقت قد تأخَّر وحان موعد إغلاق المحل ..

الطاولات الكثيرة التي كانت في الخارج أُدخلت إلى الداخل ..وغادر الجميع .. ولم يبق إلا أنا وطاولتي ..

لمحتُ المحاسب من الداخل وهو يُحدِّق بي، وبدا لي أنه غاضب ..الساعة تجاوزت الواحدة ليلاً وعليهم أن يغلقوا المحل .. سألتُ العامل: “هلهناك مقهى بالدمام أو الخُبر أجده متاحًا في هذا الوقت”؟

أملني العامل باستغراب وقال: “ربما المقهى المجاور للبحر”.

غرقتُ بالتفكير في سؤالي؛ فقد سقطتُ مرةً أخرى في شَرَك الروايةوفصولها!

لقد كان بطل الرواية يحكي قصته للغريب الذي التقاه، وكان يتنقلمن مقهى إلى آخر ليسرد قصته، وكلما أُقفلت حانة أو مقهى كان يسأل السؤال نفسه:”هل هناك مقهى في لشبونة أجده متاحًا في هذا الوقت”؟

بعد أن أنهيتُ الرواية لاحقًا بدأتُ في قراءة كتاب جديد علَّهيزيل بعض ترسُّبات الرواية التي علقت بذهني، وربما يزيح شيئًا من صور أشخاصالرواية وحكاياهم التي آلمتني وأمتعتني وأخافتني وفعلت بي كل شيء تقريبًا!

تناولتُ كتابًا آخر بدأتُ القراءة في مقدمته التي بدت مشوِّقةًبعض الشيء، حتى وصلتُ إلى هذه العبارة: “وفي عام ١٩٤٥م طُلب من الكاتب مالكومأن يكتب …….”!
١٩٤٥م!
هو تاريخ سقوط النازية!
يا إلهي .. لقد عدتُ للرواية من جديد!
قررتُ إغلاق الكتاب والذهاب للنوم، لا شيء يُجدي حتى الآن، هذالا يحدث كثيرًا!

One Comment اضافة لك

  1. Miss Lavender كتب:

    استمتعت بقراءة ما كتبت و كأني احد ابطال الرواية .. فكيف سيكون حالي حينما اقرأها؟ لا أظن ان سيختلف وضع كل قارئ لتلك الرواية بعيداً عن وضعك ..

    احسنت مبدعنا

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s