عن الذكريات التي لا تموت..!

 

احتفظ صاحبنا بهذه الذكرى في ذهنه، ولم يخطر بباله مطلقًا أن يمحوها من فؤاده ..

في تلك الليلة الهادئة وقد بدأ الظلام ينسج خيوطه شيئًا فشيئًا فوق (بورمونث)، اشتاق صاحبنا إلى رائحة القهوة العربية التي لم يتذوقها منذ وصوله قبل عشرة أيام، فأخذ يجوب متاجر المدينة ومقاهيها بحثًا عن ضالته ..

وفي خضمِّ رحلت البحث  لمح مطعمًا متوشحاً بعض الحروف العربية وأيقونة الدلة العربية تزين حائطه الخارجي, فانفرجت أساريره وتهلَّل وجهه ..

دخل المطعم وبدأ يستشرف ملامحه من الداخل ..

الهدوء يعمُّ المكان إلا من حركة بعض الملاعق الصادرة من إحدى الطاولات في الزاوية اليُسرى للمطعم ..

الإضاءة الخافتة لم تُسعفه في رؤية العاملة التي أسدلت حجابها على رأسها بداخل المطبخ ..

عدد قليل من الطاولات هنا لا يتجاوز ست طاولات، تجمَّعت على إحداها تلك العائلة الأنيقة، وعلى الأخرى القريبة من الباب تجلس فتاة لا يظهر منها إلا شعرها الذي يسيل على ظهرها ويُغطى جزءًا من الكرسي ..

أخذت صاحبَنا اغتباطةٌ بالكرسي الذي يحمل الفتاة، وقال في نفسه: لا يكون الكرسي محظوظًا هكذا دائمًا!

تقدَّم صاحبنا للسؤال عن القهوة، وفجأة التفتت الفتاة الجالسة إليه ثم قامت من مكانها وأخذت تتأمله بلا سبب واضح ..

وقف صاحبنا في مكانه مشدوهًا ولم ينبس ببنت شفة، ولم يعلم ماذا يقول ..

هل يسألها لماذا قامت من مكانها، أم لماذا تحدِّق به؟

أم لماذا هي جميلةٌ إلى هذا الحد؟

أم لماذا هي حزينةٌ كل هذا الحزن؟

أم يسأل نفسه لماذا أتى إلى هنا وهو الذي يهرب من الجمال الفاتن والبراءة البيضاء .. والابتسامات التي لا تُقاوم .. والحزن الذي يأسر !!

نعم، لقد أسره حزنها، وبدا أحد ملامح جمالها ..

تُرى من الذي جمَّل الآخر، هي أم الحزن؟

الحزن كئيبٌ ومُوحش، رمادي اللون، رائحته قميئة .. لكنه حين تلبَّسها أصبح فاتنًا عاطرًا آسرًا بشكل لا يُصدَّق!

دُهِش صاحبنا أيضًا من جمال ابتسامتها العذبة الرقيقة -والتي تكون غالبًا لمجاملة الآخرين- ..

كل شيء جميلٌ هنا .. كل شيء يشي بأن ثمة شيئًا سوف يحدث بعد تقاطر كل هذا الجمال على قلبه وناظريه ..

ازدحمت في ذهنه التساؤلات التي جعلته يقف مشدوهًا ..

لحظة صمت سادت المكان، بدَّدها تدفُّق كلماتها العذبة من شفتيها الورديتين: “عمُّو بدَّك شي؟”

وقعت هذه الكلمة على مسامعه أجمل من لحن أغنية عذبة تشدو بها أم كلثوم، أرسلتها تلك الفتاة من ثغرها إلى قلبه ..

تُرى ماذا أريد؟

هل أرد ببرود قاتل وأقول إنني فقط أريد فنجانًا من القهوة ؟

تُرى ماذا أريد؟

إنني أريدك أنتِ!

أريد قلبكِ

أريد ثغركِ

أريد شعركِ

وأريد حزنكِ!

تُرى ماذا أريد؟

أريد من شعرك أن يسيل على كتفي وليس على الكرسي، أريد لعينيَّ أن تزدان بمصافحة وجهك كل مساء، أريد أن أتذوَّقك كل صباح!

أعادت عليه السؤال وهو لا يزال في مكانه:

“عمُّو بدَّك شي؟”

أجابها: “نعم، أريد قهوة.”

“حاضر.” قالتها بصوتٍ رقيق يتقاطر عذوبة وشهد ..

ذهبت هي لإحضار القهوة، واختار هو مقعدًا قريبًا من تلك الطاولة التي كانت تجلس عليها ..

لم يسألها عن نوع البُن أو مدة غليان القهوة أو سعرها أو حجمها، بل ربما لو أخبرته أنه ليس لديهم قهوة لطلب شايًا أو أي شيء آخر ..

لوهلةٍ أضحى صاحبنا ذو العقل اللبيب -كما يحب أن يصف نفسه دائمًا- مسلوب العقل والفؤاد!

تُحضر له القهوة ويغضُّ هو الطرف عنها خشية أن يُثقلها بنظراته أو أن ينفلت قلبه من صدره .. فمثل هذا الجمال لا يحتمله الرجال ..

أضحت تلك القهوة عادةً يوميةً ابتدأها منذ ذلك اليوم ولم يقطعها حتى قطع بطاقة الصعود إلى الطائرة عائدًا إلى وطنه ..

لكن الرحيل لا يعني النسيان ..

ستظل تلك الملامح عالقةً في الذاكرة بعيدةً عن أن تطالها يد النسيان، ستبقى صامدةً بمرور الأيام، ستُقاوم أحداث الدهر التي تنخر الذاكرة حتى تتقاطر منها الذكريات واللحظات السعيدة ليطويها النسيان بعباءته الداكنة ..

هذه اللحظات والذكريات والابتسامات لم تُخلق لتُنسى، بل وُجدت لتبقى شاهدةً على الماضي وتبعث الحنين والشوق إليه ..

في آخر أيام سفرِه وقبل أن يتوجه إلى المطار؛ ذهب صاحبنا -كعادته- للإفطار بالمكان نفسه

وبعد أن تناول إفطاره وشرب بعض الشاي، وضع الحساب على الطاولة وترك ورقةً صغيرةً كتب عليها:

“صباح الخير، كحبٍ عابرٍ أو وردةٍ في الريح .. أكره أن أكون مثلهم ..

صباح الخير للذاكرة التي قرَّرت أن تغرسك في زواياها ..

صباح الخير للقلب الذي ذاب في ثنايا هذا المكان ..

صباح الخير لكل شيء هنا يأبى إلا أن يكون معي حين أكون هناك ..

صباح الخير لرسول حمزاتوف حين قال: أشياء كثيرة يطويها النسيان، من مائة بيت لا يبقى إلا بيت واحد،لكنه يبقى إلى الأبد ..

صباح الخير يا بيتًا قرَّر البقاء إلى الأبد!”

الإعلانات

4 Comments اضافة لك

  1. Raghad كتب:

    لغتك عذبة وقريبة من القلوب .. أمنياتي بالتوفيق والعلوّ الدائم 🖤

    Liked by 1 person

  2. سميه كتب:

    كلماتك لامست قلبي بشكل جميل و مليء بالأحساس .. 😊💜

    Liked by 1 person

  3. ورد اصفر كتب:

    نص جميل جداً وخيال وألهام رائع نَسجتَ منه هذهِ الكلمات التي وصفت فيها آلام الشوق واللهفة بأنوعها الحزينة والمؤلمة اثبت انك رائع بهذا النص الجميل

    Liked by 1 person

  4. جوهرة كتب:

    نص مدهش .. لكن لِم اختار صاحبنا هذا الموقف الموارب ؟!

    Liked by 1 person

اترك رداً على Raghad إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s