أنتِ وجهي !

 

اذكر في احدى الأيام أثناء سفري خارج المملكة استيقظت في إحدى الصباحات الجميلة على صوت المطر .. حفزني ذاك الصباح على الخروج المبكر للحياة .. استعدّيت للخروج واخترت كتاباً يليق بذلك الصباح البهيج  ، ذهبت للمقهى المجاور للفندق ..  جلستُ بجوار النافذة أرقب المارَّة, وأتأمُّل قطرات المطر التي تتشبَّث بزجاج المقهى لثوانٍ قبل أن تملَّ جمودَه لتواصل مسيرة السقوط الحُر نحو الأرض ..

غرقتُ في تفاصيل الحياة والبشر ..

أَسَرَني لُطف عامل المقهى وابتساماتُه المتكررة التي كان يُبديها للزبائن دون أن يلحظوا أنها مصطنعة ..

ورجل المرور الذي أصبح جزءًا من مكوِّنات الشارع والمطر 

وتلك الأم التي طارت فرحًا بطفلتها المزهوَّة بملابسها المدرسية الجديدة ..

وذاك الشاب الذي ظلَّ يكرر محاولاته لإرسال صورةٍ لكوبه المزيَّن بحرف  M حتى بردت قهوته ..

ظللتُ على حالتي أتأمُّل الأشياء والبشر من حولي حتى دخل أحدهم، وما إن فتح الباب حتى جعل يتأمُّلني ويُحدِّق بي وكأنه يعرفني من قبل !

ارتبكتُ قليلاً، فلم يسبق لي أن رأيتُه، ولكني قلتُ في نفسي: ربما أعرفه فعلاً ولكنني لا أتذكره. جلس الرجل على الطاولة المقابلة لي بعد أن طلب فنجانًا من القهوة ..

زيَّنت الابتسامةُ وجهه وهو يبادرني بالسؤال: “الأخ عربي؟”، قالها بلهجة مغربية لطيفة.

فقلتُ: نعم، من السعودية.

فردَّ بلُطف: “أهلاً بالسعودية وأهلها، أنا محمد .. ماعنديش حاجة .. من ملامحك عرفت أنك عربي، وحبيت أسلِّم عليك قبل أن أمشي للشغل”.

شعرتُ بالاستغراب والدهشة، ثم تحوَّلتْ هذه الدهشة إلى ارتياحٍ وهدوءٍ نفسيّ ..

تجاذبنا أطراف الحديث سويًا لبضع دقائق .. تحدَّثنا عن عمله، وأسرته، وحياته في هذه المدينة، وعن أسباب قدومي واهتماماتي وامنياتي المعلّقة !

ثم بعد ذلك عن غُربته ووطنه وأصدقائه ولحظات طفولته؛ ماذا يعني فقد كل تلك الأشياء؟

هل يُخالطه الشوق ؟ هل يَهِيج الحنين في صدره ؟

كيف للمرء أن تنقطع به ذاكرته عن أجمل لحظات حياته؟ كيف يشعر حين يستيقظ كل صباحٍ ويجد نفسه في مكانٍ لم تألفه روحُه، وتضاريس لم تكبر معه من الصغر؟ هل يمكن أن يعيش تحت سماءٍ غير تلك التي أظلَّته، وعلى أرضٍ غير تلك التي احتضنته؟

وصف لي شعوره لو رجع به الزمن وشاهد رصيف الحارة، أو حضر مناقشات الأصدقاء بعد العصر في زُقاق القرية حول الفريق المفضل ..

حدّثني عن حبّه العفيف الذي لم تلوِّثه خطايا البشر، والنظرات الخجولة من وراء ستائر الشبابيك، ورسائل الغرام التي تُوضَع قصدًا في طريق المحبوبة، والعبارات المكتوبة على الجدران المقابلة لبعض الأبواب ..

تحادثنا عن كل شيءٍ تقريبًا ..

ثم سألتُه في جرأة: هل اشتقتَ إلى وطنك؟

اتَّكأ على الجدار، ثم تنهَّد وأخرج كلماتٍ مصحوبةً ببعض الزَّفرات، ثم قال: “أنت من السعودية، وتعرف العَجَّ يا صديقي، أليس كذلك؟

قلتُ: بلى.

قال: “والله لقد اشتقتُ إلى العَجِّ وإلى غبار وطني .. الجو هنا جميل، ولكنَّ ذرة رمل من قريتي أحبُّ إلىَّ من هذه الأرض جميعًا!“

خيَّم السكوت بيننا للحظات .. ثم استأذن هذا العابر ومضى..

وما زالت كلماته تتردَّد في أذني حتى اللحظة: “ذرة رمل من قريتي أحبُّ إلىَّ من هذه الأرض جميعًا” !

عدتُ إلى قهوتي وكتابي المرافق وما إن فتحتُ كتابي حتى استقرَّت عيني على عبارةٍ إستلبت عقلي لرسول حمزاتوف يبثُّ حنينه وشوقه إلى وطنه :

يقول : “أحملُ شوقي وحنيني حيثما ارتحلتُالحنين إلى الوطن أتطلَّع إلى وطني من شبَّاك قفصي! لا يمكن أن يكون كاتبٌ بدون وطن

 

 ****

الوطن هو كل شيء .. وفقدان الوطن فقدانٌ لكل شيء ..

يقول رسول حمزاتوف في “القرية إذا تشاجرتَ مع أحدهم، يُسمح لك بالاقتراب من كل شيء إلا وجهه. في عُرف القرية؛ يُمنع إيذاء الوجه والاقتراب منه ولو كنتَ على خلاف مع الآخر .. أنتِ وجهي يا داغستان”.

وأقول : أنتِ وجهي يالسعودية  ..

 

One Comment اضافة لك

  1. جوهرة كتب:

    نصٌ أنيق .. عميق ..

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s